عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

117

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

قال : ثم حججت في العام الثاني فبينما أنا أمشي يوما وحدي أمام الركب فخطر في نفسي شأن ذلك الرجل ، وتمنيت رؤيته فإذا به عن يميني ، فدهشت وسررت به ، وكان يمشي وأنا معه ، وإذا جلس نزل الركب جميعه ، وإذا سار سار الركب جميعه ، فجاء إلى بركة كبيرة فيها ماء ، وقد رسب فيه طين كثير ، فجعل يصلح من الطين بكفيه ويأكل منها كما يأكل أحدنا الحلوى ، حتى أكل منه شيئا كثيرا ، وألقمني قطعة من ذلك الطين فإذا هو في فمي ألذ من الحلوى ، وله رائحة كالمسك الأذفر ، ثم اغترف بكفيه من ذلك الماء فشرب منه ماء كثيرا وقال لي : يا علي ما هذه الأكلة من تلك الأكلة التي رأيت ، وليس مثلهما طعام ولا شراب ، فقلت : يا سيدي من أين لك هذا ؟ ! قال : نظر إليّ الشيخ أبو محمد بن عيد نظرة فملأ قلبي بحبّه ، ووصل السر بربي ، وانطوت الأكوان ، وقلبت لي الأعيان ، وقرب مني البعيد ، ونلت المراد بنظرته ، وكساني معنى استغنيت به عن الطعام والشراب ، إلا في وقت عود أحكام البشرية إليّ . ثم غاب عني فما رأيته . الحكاية السادسة والأربعون عن الشيخ العالم أبي طالب عبد الرحمن بن أبي الفتح الهاشمي الواسطي المصري رحمه اللّه قال : سمعت الشيخ القدوة جمال الدين ، إمام العارفين ، أبا محمد بن عبد البصري رضي اللّه عنه يقول وقد سئل عن الخضر عليه السلام : أحيّ هو أم ميّت ؟ فقال : اجتمعت بأبي العباس الخضر عليه السلام فقلت له : أطرفني بأعجوبة مرّت بك مع الأولياء ؟ فقال : اجتزت يوما بساحل البحر المحيط ، حيث لا يرى آدمي ولا غيره ، فرأيت رجلا نائما ملتفّا بعباءة ، فوقع لي أنه وليّ فركضته برجلي ، فرفع رأسه وقال : ما تريد ؟ فقلت : قم للخدمة ، فقال : اذهب واشتغل بنفسك ، فقلت له : لئن لم تقم لأنادين عليك في الناس ، وأقول لهم : هذا وليّ . فقال : لئن لم تذهب لأقولنّ : هذا الخضر ، فقلت : وكيف عرفتني ؟ فقال : أما أنت فأبو العباس الخضر ، فقل لي أنت : من أنا ؟ فرفعت همتي إلى اللّه عز وجلّ في سرّي وقلت : يا رب يا نقيب الأولياء ، فنوديت : يا أبا العباس أنت نقيب من يحبنا ، وهذا نقيب من نحبه ، فأقبل عليّ وقال : يا أبا العباس أسمعت حديثي ؟ قلت : نعم فزدني بدعائك ، فقال : منك الدعاء يا أبا العباس ، فقلت : لا بدّ ، قال : مر ، وفر اللّه نصيبك منه ، قلت : زدني ، فغاب عني ولم يكن الأولياء يقدرون على الغيبة عني . ثم رأيت في نفسي بقية من المشي ، فمشيت حتى انتهيت إلى كثيب عظيم من الرمل ، فدعتني نفسي إلى صعوده ، فلما استويت على أعلاه ، فظننت أني ساميت السماء ، فرأيت على